|
ذلك الرّحيق!
خيري منصور
8/20/2010
قد نكون أسأنا فهم المتنبي عندما فهمنا قوله عن سهر الخلق واختصامهم حول ما يصدر عنه، وهو الذي ينام ملء جفونه عن شواردها، وكان من الأسهل على النقد ان يدرج كل ما يقوله هذا الشاعر في باب الفخر او مديح الذات تعبيرا عن نرجسية مفرطة، وهنا شعراء من مختلف العصور ناموا مثله ملء جفونهم دون ان يصرّحوا بذلك، وتركوا الخلق يختصمون.وبكلمة واحدى فإن الشوارد لدى المتنبي هي قابلية التأويل، من خلال تعدد القراءات ومستويات المتلقين، وعبارة شكسبير الشهيرة ستبقى دائما بقية من الرحيق، لا ينافسها في عدد التأويلات الا عبارة لإليوت عن البوابات الحارة، فهذه البوابات قد تكون ذات دلالات او تاريخية او سايكولوجية، لهذا فإن ما سماه المتنبي الاختصام والسهر هو في حقيقته تعدد القراءات تبعا لتعدد المناهج ومستويات الوعي..ان البوابات الحارة قد تكون تلك الاطلال في قرطاج او بعلبك وقد تكون داخل الجسد البشري، وحين حاول الناقد ماثيسن وهو من اكثر النقاد انصافا لإليوت رغم التناقض الايديولوجي بين رؤيته للعالم ورؤية اليوت ان يحلل هذه العبارة، قال انها ليست ايا من تلك التأويلات.. لكنها حاصل جمعها في الوقت ذاته.. ولا اظن ان هناك شعرا مكتفيا بذاته، بحيث تكون قراءته معممة ومتكررة وذات مفتاح وحيد، ما دامت اللغة اساسا عرضة للانزياح والانزلاق نحو المجاز حتى في الكلام العادي!لكن اي رحيق ذلك الذي قال شكسبير بأنه أبدي، وغير قابل للانتهاء؟ وأول ما يخطر بالبال اذا ذكرت كلمة رحيق هو النحل الذي يقترن بها، ويكابد كي يفرز الشّهد الذي يسطو عليه البشر رغم انه يكدح لادخار مؤونته شأن اي مخلوق آخر، واذا ذهبنا مع شكسبير حتى النهايات فإن الخريف ايضا له رحيقه، وكذلك الرّيح والماء والحجر، فالرحيق بهذا المعنى ليس حكرا على الأزهار لأنه المرادف الرمزي لكل الخلاصات وما يتقطر من كثافة الوجود، هذا المنجم الاسطوري الذي لا ينتهي هو سرّ الحياة ذاتها، وما من مبدع يبتكره، لكنه يكدح من أجل الكشف عنه وقد يرضع منه ما تيسر له في مرحلة ما من عمره الابداعي، لكن هذا القليل يبقى مبثوثا في نصوصه كّلها لأنه مبثوث في وجدانه وذاكرته ووعيه، وعلينا ان لا نصدّق الذباب او البعوض في مرحلة ما ونظن بأن الرحيق نفد، خصوصا في فترات رمادية ينبذ فيها الورد لصالح اي شيء آخر، لأنه لا يطبخ، ويترك ليذبل ويموت.لقد اهتدى الانسان المبدع الى نقطة الضوء في اقاصي العتمة الحالكة، لهذا ما من عصر يصنّف على انه ظلامي الا وكان له نوره الخاص ووهجه، لكن ما يهجع زمنا تحت الرماد لا بد ان يومض في لحظة ما شرط ان تكون هناك عين لا يغطيها الصديد كي ترى، وتروي ما رأت للعميان.نبحث الآن بشبق يتخطى شهوة النحل عن الرحيق او ما تبقى منه، فماذا نجد؟ صحارى بلا حدود، وآفاق دنت حتى لامست التراب، وللحظة نوشك ان نقول بأن هذا الزمن هو الحقبة القصديرية المغمورة بالصدأ تبعا لتصنيف هزيود الشهير للأزمنة والتي تبدأ من الذهب وتمر بالفضة والنحاس واخيرا القصدير... لكن ما ان نعيد النظر ونعلن العصيان على المألوف الذي اصبحنا لا نراه لفرط ما نحدق فيه حتى نكتشف بأن هناك بقية من الرحيق، في صرخة طفل سواء كان يولد او يذبح، وفي لحظة صدق باسلة يدفع انسان ما ثمنها حياته، وفي ذروة هذه الذرائعية المتوحشة التي تعولمت وحولت كوكبنا الى خوذة من فولاذ لا تدور الا حول رأس جنرال غاشم من طراز الامبراطور كاليجولا، تأتينا اللحظة المباغتة، من رجل او امرأة قررا ان يمتطيا الخوف بدل ان يمتطيهما، ويسوقا الفقر بالناي بدل العصا ولا يسوقهما، فنشعر ان هذه اللحظة هي اكثر من جملة معترضة في كتاب، انها الصواب المحاصر، والحقيقة التي تحالف ضدها ثالوث اسود يتألف من قاتل وشاهد زور وخائن، ضد ثالوث نوراني تألف من مبدع وعاشق وشهيد..لم يكن من حلموا باليوتوبيا بحاجة الى توصيف نقيضها او الديستوبيا، فالجحيم هو النقيض للفردوس حسب الرؤى الثنائية للعالم، سواء على طريقة المانوية الفارسية التي لا ترى بعداً رماديا ثالثا للأسود والأبيض، والحياة هي كما سماها وليم بليك، زواج الجنة والجحيم، لأنهما يتعايشان في هذا العالم وفي داخل الفرد الواحد، وان كانت عناصر الطبيعة او الفيزياء الكونية قد رسمت بقلم الرصاص تضاريس فيزياء التاريخ، فالقليل من تلك العناصر يحيي والفائض يميت بدءا من الماء والنار حتى الرّيح.وفي عمق اليوتوبيا قد يهجع شقاء غير مرئي، وقد يكون من أسوأ الأعراض الجانبية للمدينة الفاضلة الضجر، فالبشر امتازوا عن بقية الكائنات بكونهم ذوي تاريخ لأنهم يغمرون ويخطئون، وتاريخ العلم مثلا هو تاريخ الاخطاء، وقد يكون التاريخ برمته ايضا تاريخ الاخطاء، وكما يهجع الشرّ في زاوية ما من المدن الفاضلة فإن ثمة رحيقا غير مرئي او مشموم في المدن الراذلة، انه الحلم بالتجاوز، لهذا ازدهرت المدن الفاضلة في الأزمنة الرديئة وكأنها احتجاج على واقع لا يطاق، جرى استبداله بواقع متخيل ومحرر من شرور ذلك الواقع المتعين!وفي ايامنا يحتاج البحث عما تبقى من رحيق شكسبيري الى قدرة على الاستبصار وليس الابصار فقط، لأن ما يحجب الضوء هو كثافة من الغبار والدخان اضافة الى التضليل الذي تبثه الميديا الداجنة والمسيّرة التي لا ترى في الخشب مهدا او قيثارا بقدر ما ترى فيه كعب بندقية وتابوتا!الناشط السياسي الذي يقطع الاف الأميال كالنحل بحثا عن الرحيق، والمبدع القابض على الجمرة بلسانه وليس بأصابعه، والشاهد الذي حذف الفارق بين الشاهد والشهيد، والأمازونية الباسلة التي حطّمت بيت الدمية... هؤلاء هم ما تبقى من ذلك المخزون الذي اوشك على الانتهاء تكاثر وامتد، لهذا فهم امصال وعي ولقاحات لصدّ الأوبئة خصوصا ما تعلّق منها بالضميروالوجدان، فالاخطر من الايدز العضوي الان هو الايدز السياسي الذي أفقد مئات الملايين من البشر مناعتهم، والأخطر من الزهايمر العضوي هو غسل الذاكرات وختان العقول وإخصاء الوعي...لقد كان لكل مبدع شوارده التي نام ملء جفونه عنها، لكن سهر الخلق واختصامهم ليس مجرد محاولات بائسة لتفكيك أحجية. فما قيل في زمن ما وفي لحظة ما يمتلىء بالممكنات القابلة للتفجر ولا بد من تأويل تلك الأقوال باطلاق ممكناتها كي تستكمل شرط البقاء، لأن الرؤى الخالدة عابرة للأزمنة والألسنة ايضا..اما الرّحيق فهو هناك في مكان ما لكن الذباب لا يصلح دليلا اليه!
|